يُعد أحمد حسين الشرع، المعروف سابقاً باسمه الحركي «أبو محمد الجولاني»، أحد أبرز الشخصيات في التاريخ السوري المعاصر. وُلد في 29 أكتوبر 1982 في الرياض بالمملكة العربية السعودية، وتولى رئاسة الجمهورية العربية السورية للمرحلة الانتقالية منذ 29 يناير 2025، بعد أن قاد التحالف الذي أسقط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024. تحول مساره من مقاتل في صفوف تنظيمات جهادية مرتبطة بالقاعدة إلى قائد عسكري وسياسي يدير مرحلة انتقالية معقدة في بلد مدمر بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية. تستعرض هذه المقالة تاريخه بالتفصيل، مستندة إلى المعلومات المتداولة من مصادر متعددة، مع التركيز على المحطات الرئيسية في حياته.
النشأة والخلفية العائلية
ينحدر أحمد الشرع من عائلة سورية سنية متوسطة الحال أصولها من بلدة جيبين قرب فيق في هضبة الجولان السورية. نزحت العائلة بعد احتلال إسرائيل للجولان في حرب 1967. والده حسين علي الشرع (مواليد حوالي 1943-1946) اقتصادي وباحث في شؤون النفط، تأثر بالفكر القومي العربي الناصري، وشارك في نشاطات سياسية مبكرة أدت إلى اعتقاله ومغادرته سوريا إلى الأردن ثم العراق حيث درس الاقتصاد في جامعة بغداد. عمل لاحقاً في وزارة النفط السعودية، حيث وُلد أحمد، قبل أن تعود العائلة إلى دمشق حوالي عام 1989 وتستقر في حي المزة الراقي نسبياً.
نشأ أحمد في بيئة محافظة لكنها ليست متطرفة إسلامياً في البداية. كان والده يعمل مستشاراً اقتصادياً، وامتلكت العائلة محلاً تجارياً ساهم أحمد في العمل فيه جزئياً أثناء دراسته. تأثر في مراهقته بالانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000-2005) وأحداث 11 سبتمبر 2001، مما دفعه نحو الفكر الجهادي. درس في دمشق، وسجل في كلية الإعلام أو الطب في جامعة دمشق حسب الروايات المختلفة، لكنه لم يكمل دراسته. وصف من عرفوه في شبابه بأنه هادئ ومنطوٍ نسبياً، يرتاد المساجد ويشارك في نقاشات سياسية.
في عام 2003، مع اقتراب الغزو الأمريكي للعراق، قرر أحمد السفر إلى العراق للانضمام إلى المقاومة ضد الاحتلال. وصل قبل أيام من بدء العملية العسكرية، واستقر في الموصل فترة، وانضم إلى تنظيم القاعدة في العراق بقيادة أبو مصعب الزرقاوي (جماعة التوحيد والجهاد ثم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين). قاتل لسنوات ضد القوات الأمريكية والعراقية، وارتقى في الصفوف. اعتقلته القوات الأمريكية حوالي 2005-2006، وقضى نحو خمس سنوات في سجون مثل أبو غريب وبوکا (Camp Bucca) وكروبر، حيث التقى بمقاتلين آخرين بما في ذلك شخصيات أصبحت لاحقاً قيادية في تنظيم الدولة الإسلامية.
أُفرج عنه حوالي 2010-2011. تزامن ذلك مع اندلاع الاحتجاجات في سوريا ضد نظام بشار الأسد في مارس 2011. عاد إلى سوريا مدعوماً من أبو بكر البغدادي (قائد دولة العراق الإسلامية آنذاك)، حاملاً تمويلاً يقدر بـ50 ألف دولار، برفقة عدد قليل من المقاتلين (حوالي ستة أشخاص). كانت مهمته تأسيس فرع للتنظيم في سوريا.
تأسيس جبهة النصرة والانقسامات الجهادية
في يناير 2012، أعلن أحمد الشرع (تحت اسم أبو محمد الجولاني، نسبة إلى أصول عائلته في الجولان) تشكيل «جبهة النصرة لأهل الشام». سرعان ما أصبحت من أقوى الفصائل في المعارضة المسلحة، مشهورة بعملياتها الفعالة ضد قوات النظام، بما في ذلك هجمات انتحارية. بايعت الجبهة تنظيم القاعدة المركزي بقيادة أيمن الظواهري.
في أبريل 2013، أعلن البغدادي دمج جبهة النصرة مع دولته لتشكيل «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش). رفض الجولاني ذلك، مؤكداً ولاءه للقاعدة ومركزاً على محاربة النظام السوري بدلاً من التوسع العالمي الفوري. أدى ذلك إلى صراع دموي بين النصرة وداعش، وساهم في تعزيز استقلالية النصرة نسبياً داخل الساحة السورية.
في يوليو 2016، أعلن الجولاني فك الارتباط رسمياً بتنظيم القاعدة، وغير اسم التنظيم إلى «جبهة فتح الشام». كان ذلك خطوة استراتيجية لتخفيف العزلة الدولية وتصنيف الإرهاب، وجذب فصائل محلية أخرى. في يناير 2017، قاد اندماجاً مع فصائل مثل حركة نور الدين الزنكي وجيش الأحرار لتشكيل «هيئة تحرير الشام» (HTS). أصبح الجولاني القائد العسكري ثم الأمير العام للهيئة بحلول أكتوبر 2017. سيطرت الهيئة تدريجياً على معظم محافظة إدلب، وأسست «حكومة الإنقاذ السورية» لإدارة المناطق الخاضعة لها، مقدمة خدمات مدنية ومحاولة بناء مؤسسات شبه حكومية.
خلال السنوات التالية، واجهت HTS تحديات داخلية من فصائل منافسة، وهجمات من النظام وحلفائه الروس والإيرانيين، وتصنيفاً إرهابياً دولياً (من الولايات المتحدة وغيرها). سعى الجولاني إلى تغيير صورته: كشف عن وجهه علناً لأول مرة حوالي 2016، وبدأ يتحدث عن أولويات وطنية سورية بدلاً من الجهاد العالمي، وركز على محاربة داعش وبقايا النظام. أجرى مقابلات إعلامية (مثل PBS في 2021) أكد فيها اسمه الحقيقي وأصوله، وانتقد التطرف المفرط.
الهجوم الحاسم وسقوط نظام الأسد (2024)
في أواخر نوفمبر 2024، أطلقت هيئة تحرير الشام وفصائل معارضة أخرى هجوماً مفاجئاً وسريعاً من إدلب باتجاه حلب وحمص وحماة ثم دمشق. انهارت دفاعات النظام بسرعة بسبب الإرهاق العسكري والاقتصادي، وانسحاب الدعم الإيراني والروسي النسبي، وتفكك الولاءات. في 8 ديسمبر 2024، دخلت القوات دمشق، وفر بشار الأسد إلى روسيا، منهياً حكم عائلة الأسد الذي استمر أكثر من خمسة عقود.
أعلن الجولاني استخدام اسمه الحقيقي أحمد الشرع بشكل علني، ودخل الجامع الأموي في دمشق، مقدماً نفسه كقائد وطني. تولى القيادة الفعلية للإدارة الجديدة، وشكل حكومة تصريف أعمال برئاسة محمد البشير مؤقتاً. في 29 يناير 2025، عُين رسمياً رئيساً للمرحلة الانتقالية في مؤتمر إعلان انتصار الثورة.
الرئاسة الانتقالية والسياسات (2025-2026)
منذ توليه الرئاسة، ركز أحمد الشرع على إعادة بناء الدولة. أصدر إعلاناً دستورياً مؤقتاً في مارس 2025 يحدد فترة انتقالية مدتها خمس سنوات، يعتمد فيه على الشريعة كمصدر رئيسي للتشريع مع ضمانات حقوقية. شكل حكومة انتقالية، وأجرى انتخابات برلمانية غير مباشرة في أكتوبر 2025. سعى إلى دمج الفصائل المسلحة تحت سيطرة مركزية، بما في ذلك اتفاقيات مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الكردية بعد مواجهات وتسويات في 2025-2026، أدت إلى اندماج تدريجي واعتراف باللغة الكردية كجزء من الهوية الوطنية.
على الصعيد الخارجي، نجح في تطبيع العلاقات: رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية جزئياً أو كلياً، وزار دول الخليج وتركيا وروسيا والولايات المتحدة (بما في ذلك لقاء مع الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض نوفمبر 2025)، وألقى كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025. أكد على سياسة متوازنة، ودعم سيادة لبنان، والسعي إلى ترتيبات أمنية مع إسرائيل تحفظ الحقوق السورية، وإعادة الإعمار الاقتصادي. قدرت احتياجات إعادة الإعمار بمئات المليارات من الدولارات.
داخلياً، واجه تحديات كبيرة: عنف طائفي متقطع، بقايا متطرفين، أزمة اقتصادية خانقة، ملايين النازحين واللاجئين، وقضايا العدالة الانتقالية (محاكمات لمسؤولين سابقين). أطلق حملات لمكافحة الفساد، وركز على الأمن والاستقرار والتنمية. متزوج من لطيفة الدروبي منذ 2012 ولديه ثلاثة أطفال.
التقييم والتحديات المستقبلية
يُنظر إلى مسار أحمد الشرع كتحول درامي: من مقاتل في العراق وسجين إلى قائد يسيطر على إدلب ثم رئيس دولة. يرى مؤيدوه أنه براغماتي نجح في إسقاط الاستبداد وبناء مؤسسات، بينما ينتقده آخرون بسبب ماضيه الجهادي ومركزية السلطة والمخاوف من التوجهات الإسلامية. يبقى مستقبل سوريا مرهوناً بقدرته على تحقيق مصالحة وطنية شاملة، وإعادة الإعمار، وإجراء انتخابات حرة في نهاية الفترة الانتقالية (قد تستغرق سنوات حسب تصريحاته).
هذه السيرة تلخص تحولاً استثنائياً في سياق الصراع السوري، وتظل مفتوحة للتطورات المستقبلية في بلد يسعى للخروج من دوامة الحرب نحو الاستقرار.

تعليقات
إرسال تعليق